ضعف الحركة العمالية في الأردن: تغوّل أصحاب العمل بمؤازرة حكومية

24 / 02 / 2011

تحقيق دلال سلامة

مقابل 23 نقابة و27 جمعية تمثل أصحاب الأعمال في الأردن، هناك فقط سبع عشرة نقابة تمثّل العمال.

ومقابل آخر نقابة عمالية سمحت الدولة بإنشائها العام 1976، كان هناك 15 نقابة و24 جمعية لأصحاب الأعمال، أنشئت بعد العام 1976.

إن أي محاولة للبحث في أداء الحركة العمالية في الأردن، لا يمكن أن تغفل عما سبق، بوصفه أحد المفاتيح الرئيسية لتفسير ضعف هذه الحركة.

فالحكومات المتعاقبة، كما يؤكد باحثون ونشطاء نقابيون، “تتحالف” مع أصحاب الأعمال ضد العمال، وهو ما ساهم في “انحدار” أداء الحركة العمالية التي بدأت رسميا العام 1953 مع صدور القانون رقم 35، الذي أعطى للعمال حق التنظيم النقابي، وشهدت سنوات الخمسينات والستينات ذروة حضورها في الساحة العمالية والسياسية.

لكن الحكومة، وابتداء من أوائل السبعينات، اتخذت سلسلة قرارات، فُسرت بأنها تهدف إلى “احتواء” نشاط الحركة، وقامت بموجبها بحلّ تنظيمات نقابية قائمة، وتحجيم ودمج بعضها الآخر، وهو ما أدى إلى اختصار عدد النقابات العمالية من 36 إلى 17 نقابة عمالية فقط.

إن أبلغ دليل على ضعف أداء الحركة هو حقيقة أن عدد المنتسبين إلى النقابات العمالية لا يشكل أكثر من 10 في المئة، من مليون ونصف عامل في القطاع الخاص، وهم الفئة التي يحق لها التنظيم النقابي، في ظل قانون يمنع موظفي الحكومة من الانتساب إلى نقابات.

وهذه النسبة على تواضعها تجد من يشكك فيها، فالرقم الذي يستند إلى أرقام العضوية التي تفصح عنها الهيئات الإدارية للنقابات، هو كما كتب الباحث هاني الحوراني في صحيفة الغد رقم “دفتري“، و“العضوية الفعلية للنقابات قد لا تزيد على نصف هذا الرقم“.

ولكن حتى مع التسليم بهذه النسبة ، فإنها مؤشر قوي على ضعف حضور النقابات العمالية في المشهد، خاصة وأن ثلث المنتسبين إليها هم من نقابة العاملين في الميكانيك والنقل البري، التي تنفرد عن باقي النقابات بأن الانتساب إليها إجباري.

أي أن إلغاء بند الإلزامية في هذه النقابة، سيعمل على تخفيض النسبة أكثر فأكثر.

رغم انتهاكات حقوقهم.. عمال الأردن لا ينتسبون إلى نقاباتهم

تاريخيا فإن النقابات هي الأطر القانونية الممثلة للعمال، التي تتولى حماية حقوقهم، ونظريا فإن الانضواء تحت لوائها هو ما يجب أن يفعله أي عامل يسعى إلى تعزيز مكتسباته. ولكن ليس هذا ما يقوله العمال.

لينا (29 عاماً) تعمل بائعة في محل لبيع الملابس، يتبع سلسلة محلات معروفة، براتب مقداره 300 دينار، وعمولة لا تزيد في العادة على 100 دينار شهريا.

إنها تعمل من الساعة العاشرة والنصف صباحاً إلى العاشرة والنصف ليلاً. وباستثناء يوم الجمعة، فإنها لا تتمتع بأي إجازات، وإذا صادف يوم الجمعة موسم عيد فإنها تعمل دون مقابل.

وهي أيضا غير مشمولة بالضمان الاجتماعي والتأمين الصحي.

صاحب العمل الذي لا يدفع لها بدل ساعات العمل الإضافي يخصم مع ذلك من راتبها أي يوم غياب، ومهما كان العذر، وهذا العام رقدت في المستشفى خمسة أيام بعد إجرائها عملية جراحية، فتم حسم الأيام الخمسة من راتبها.

إضافة إلى هذا كله، فإنها لينا تعاني من التمييز، فالشاب الذي يعمل معها ويقوم بنفس مهامها يتلقى راتباً وعمولة أعلى منها، وعندما اعترضت قيل لها إنه “متزوج ولديه مسؤوليات” رغم أنها هي أيضاً معيل أساسي في عائلتها.

بعد عشر سنوات من العمل هي معرضة للفصل في أي لحظة، وستخرج بعدها صفر اليدين، فلا عقد مكتوب بينها وبين صاحب العمل، وحتى راتبها فإن صاحب العمل يدفعه إليها مباشرة ويرفض تحويله إلى البنك، وهي تعتقد أنه يفعل ذلك لأنه لا يريد أن يكون هناك أي سند قانوني يمكنها أن تستخدمه في حال قررت مقاضاته.

إن لينا هي نموذج لقطاعات واسعة من العمال الأردنيين الذين تنتهك حقوقهم العمالية إما لوجود ثغرات في التشريعات التي تنظم العلاقة بين الطرفين، أو لأن أصحاب العمل يتجاوزون كما في حالتها، على حقوق كفلتها هذه التشريعات.

ورغم كل الانتهاكات التي تتعرض لها، فإنها ترفض تماماً فكرة الانتساب إلى نقابة والتقدم بشكوى من خلالها، وتقول “ماذا ستفعل لي النقابة؟ هل ستتقدم بشكوى من صاحب عملي؟ هذا سيعني أنني سأفقد وظيفتي مباشرة، وسيكون هناك الكثيرات ممن هن مستعدات للعمل مكاني وبنفس الشروط“.

الإحساس بضعف النقابات العمالية إزاء ما يتمتع به أصحاب الأعمال من سطوة هو ما يجعل أيمن (31 عاماً) يحجم هو أيضاً عن الانتساب إلى نقابة.

أيمن هو عامل مصنع في أحد المناطق الصناعية الحرة، وهو أفضل حالاً من لينا، فهو يعمل ضمن ساعات العمل التي حددها قانون العمل وهي ثماني ساعات، ويتلقى أجراً عن ساعات العمل الإضافي، وهو أيضاً مشمول بالضمان الاجتماعي والتأمين الصحي.

ولكن أيمن الذي بدأ العمل العام ٢٠٠٠، يعاني من التدني الهائل في أجره، فبعد أكثر من عشر سنوات، لا يزيد ما يتلقاه من راتب على 180 ديناراً.

لذلك هو يعمل بعد انتهاء دوامه بائعاً في محل تجاري، لتصل بذلك ساعات عمله إلى 13 ساعة يومياً، كي يستطيع تأمين الحد الأدنى من احتياجاته وأسرته المكونة من زوجة وطفلة.

وأيمن مثل لينا، يعرف أنه لا فرص أخرى أمامه، فأصحاب العمل كما يقول “متضامنون“، وهم في كل مكان يقدمون نفس الرواتب ونفس ظروف العمل

 

التشريعات ما زالت تمنع عن العمال حقوقا أساسية

تضمن قانونا العمل والضمان الاجتماعي اللذان صدرا بصفة مؤقتة العام 2010 العديد من التعديلات التي تمسّ العمال.

كرّس بعضها “اختلال” العلاقة بين العامل وصاحب العمل، كما يقول الباحث ومدير مركز الفينيق للدراسات العمالية أحمد عوض،في ما سار بعضها الآخر“في الاتجاه الصحيح“.

من التعديلات الإيجابية، بحسب عوض، هو توسعة مظلة الضمان الاجتماعي لتشمل كل العمال بغض النظر عن عددهم في المؤسسة، في حين أن القانون القديم اشترط خمسة عمال كحد أدنى يجبر صاحب العمل على إشراكهم في الضمان الاجتماعي.

التعديل الإيجابي الآخر كما يقول عوض هو في إقرار “صندوق للأمومة” سيعمل على معالجة اختلال وضع المرأة في سوق العمل.

فقد تمّ إقرار صندوق يتكفل بدفع تكاليف إجازات الأمومة للعاملات في القطاع الخاص، الأمر الذي سيسهم، في رأي عوض، على تشجيع أصحاب العمل على توظيف النساء، بعد أن تدنت نسبتهن في هذا القطاع نتيجة إحجام أصحاب العمل عن توظيفهن لهذا السبب.

لكن قانون العمل ما زال بحسب عوض يعاني من ثغرات عديدة من بينها مادة تتيح لصاحب العمل “التسريح الجماعي” للعمال. إنها المادة 31 من قانون العمل التي أجازت لصاحب المؤسسة فصل أعداد كبيرة من العمال، إذا ما أراد “إعادة هيكلة” مؤسسته.

المادة القانونية التي تتعلق بإعادة الهيكلة، ويتخذها أرباب العمل “ذريعة” لعمليات تسريح جماعية، يقول الناشط والنقابي العمالي محمود أمين الحياري، إنها مدعومة بمادة أخرى في قانون العمل، تجيز لصاحب العمل أن يفصل العمال فصلا “تعسفياً“.

ذلك أن القانون ألزم صاحب العمل الذي ثبت قيامه بالفصل التعسفي، ألزمه بتقديم تعويض تقدّره المحكمة للعامل، ولكن القانون لم يلزمه بإعادة العامل إلى عمله.

إنه أمر يؤكد الحياري أنه يمثل “رخصة” تمنح لصاحب العمل بالفصل التعسفي، وهذا ما قامت به بعض الشركات مؤخرا، عندما قامت بتسريح جماعي لموظفين فيها، ومنحتهم تعويضا ستة أشهر، باعتبار أن هذا أقصى ما يستطيعون الحصول عليه من حقوق.

أما الثغرة التشريعية التي يرى الحياري أنها “جريمة” ترتكب بحق عمال الأردن، فهي المادة التي حرمت العمال غير المنتسبين إلى نقابات من التفاوض مع أصحاب عملهم، ورفعت بذلك الغطاء القانوني عن الأغلبية الساحقة منهم، ما دام 90 في المئة منهم غير منتسبين إلى نقابات.

إنه بند في القانون يؤكد الحياري أنه سيمكّن الحكومة من “تجريم” أي مجموعة عمال غير منظمة نقابيّاً، تقرر الاجتماع للدفاع عن حقوقها، ذلك أن هؤلاء سيكونون وفق قانون الاجتماعات العامة قد ارتكبوا مخالفة قانونية.

الثغرة الأخرى التي يشير إليها الحياري هي التدني الهائل في الحد الأدنى للأجر، ذلك أن احتساب فرق العجز الناجم عن ارتفاع أسعار السلع وكلف الخدمات مع انخفاض سعر صرف الدينار وانخفاض قيمته الشرائية، يعني أن مبلغ المئة وخمسين دينارا الذي أقر كحد أدنى للأجور لا يعتبر أجراً عادلاً وفق المعايير الدولية.

وانه وفق الحسابات السابقة فإن الحد الأدنى للأجر يجب أن يكون على الأقل 300 دينار.

يُذكر أن 90 في المئة من العمال في الأردن يتقاضون أقل من 300 دينار شهريا، وفق تقرير كان قد أصدره المرصد العمالي الأردني العام 2009.

الرقابة الحكومية على أصحاب العمل

اتهام الحكومة بانحيازها إلى أصحاب العمل يعززه كما يقول مراقبون “ضعف” الرقابة الحكومية عليهم، وهو ما يجعلهم لا يكتفون باستغلال الثغرات في التشريعات، بل هم يتجاوزون أيضاً على حقوق كفلتها هذه التشريعات للعمال، مثل ساعات العمل، الإجازات، الضمان الاجتماعي، شروط السلامة المهنية وغيرها.

ومع ذلك فإن الحكومة تقوم، كما يقول مدير الشؤون القانونية والعلاقات الدولية والإعلام في وزارة العمل إبراهيم السعودي، تقوم بممارسة دورها الرقابي من خلال جهاز تفتيش “فاعل“، يقوم أفراده البالغ عددهم 135 مراقباً، بزيارات تفتيشية إلى كافة مواقع العمل ليرصدوا تطبيق أحكام القانون.

وهناك بحسب السعودي “عقوبات رادعة” توقع على صاحب العمل الذي يثبت ارتكابه انتهاكات في حق عماله.

السعودي أكّد ترحيب وزارة العمل بشكاوى العمال، وقال إن أبواب الوزارة مفتوحة أمام العمال الذين يتعرضون إلى انتهاكات حقوقهم، و“تمنى” عليهم مراجعتها.

لكن عوض يصف الدور الرقابي الحكومي بأنه “قاصر” ويقول إن عدد المفتشين في وزارة العمل ما زال قليلا جداً مقارنة بآلاف المؤسسات الموجودة في البلد، ومئات الآلاف من العاملين فيها كما أن الآليات التي تتم فيها عملية التفتيش هي أيضاً قاصرة.

أما العمال، فإنهم يقولون إنهم “الحلقة الأضعف“، وليس بمقدورهم الشكوى على أرباب عملهم، لأن ذلك يعني ببساطة الاستغناء عن خدماتهم.

ضعف النقابات العمالية … فتّش عن الحكومة

إذا كانت التشريعات التي تنظم العلاقة بين العمال وأصحاب العمل مليئة بالثغرات، وكانت الرقابة الحكومية ضعيفة إلى حد يتجاوز فيه الكثير من أصحاب العمل على الحقوق القاصرة التي كفلتها هذه التشريعات، فإن هذا يعمّق “نظريا” حاجة العمال إلى مظلة قانونية تحميهم في مواجهة أصحاب الأعمال.

ولا يبدو بالتالي أن إعراض العمال عن نقاباتهم هو أمر منطقي.

هنا، يوجه ناشطون نقابيون اتهامات للحكومة بأنها وفي سياق تحالفها مع رأس المال تقوم بالتضييق على العمل النقابي “الحقيقي“. ويقولون إن الحكومات المتعاقبة أدركت الثقل الذي يمكن أن يتحقق لكتلة عمالية منظمة بشكل حقيقي، فسعت إلى السيطرة على الحركة العمالية من خلال احتواء من استطاعت احتواءهم من قادتها.

إن الحكومات المتعاقبة هي أحد الأسباب الرئيسية لضعف أداء النقابات العمالية كما يقول رئيس نقابة الغزل والنسيج فتح الله العمراني، الذي يؤكد أنه “لا الحكومة ولا أصحاب العمل يرغبون في وجود قادة عماليين حقيقيين، فهؤلاء سيعملون على محاربة الفساد وكشف مواطن الخلل، وهو أمر لا ترحب به الحكومة ولا أصحاب الأعمال“.

لقد استطاعت الحكومة احتواء الحركة العمالية، كما يقول العمراني، من خلال تمويلها الاتحاد العام للنقابات العمالية، ذلك أن “الاتحاد يتلقى تمويله بالكامل من الحكومة، وهذا ما يجعله تابعاً لها، تسيّره كما تريد“.

ومع ذلك، لا بد هنا من الإشارة إلى “التفاوت” الذي يطبع أداء النقابات في ما بينها، ففي الوقت الذي تسجل فيه معظم النقابات حضوراً باهتا، فإن المراقب يلاحظ أن هناك عدداً من النقابات التي ترعى إضرابات عمالها وتسعى إلى تحقيق مكتسبات لهم، ولكنها لا تزيد على خمس أو ست نقابات من أصل سبعة عشرة نقابة.

من ناحيته، ينفي رئيس الاتحاد العام للنقابات العمالية مازن المعايطة، أن يشكل تمويل الحكومة للاتحاد قيدا على عمله ذلك أن لا يختلف في الأمر عن أي منظمة مجتمع مدني أخرى “الاتحاد يتلقى مخصصاته من خزينة الدولة وليس من الحكومة، مثله مثل الأحزاب والجمعيات والروابط، أو أي منظمة مجتمع مدني أخرى“.

وفق المعايطة فإن ضعف الانتساب إلى الاتحاد هو مسألة تتعلق أساسا بـ“ضعف المبادرة” لدى الناس بشكل عام “ضعف الانتساب ليس مشكلة النقابات العمالية بل هو مشكلة الأحزاب، الأندية والجمعيات. الرغبة بالتنظيم بشكل عام ضعيفة. إضافة إلى ذلك فإن العمال يعرفون أنهم مستفيدين من المكتسبات التي تحققها النقابات سواء انتسبوا أم لا“.

وبذلك فإن حقيقة أن أداء الاتحاد “دون الطموح” لا يعود إلى خلل في هذا الأداء، بل إلى الأزمات الاقتصادية التي يشهدها البلد “الأزمات الاقتصادية أثرت سلبيا على مسائل مثل الاستقرار الوظيفي وتحسين ظروف العمل“.

لكن نشطاء نقابيون يصرون على أن إعراض العمال عن النقابات سببه شعور العمال بأن الاتحاد ومعظم النقابات العمالية لا تمثلهم.

إنه أمر يجد هؤلاء أن أبلغ شاهد عليه هو مواقف الاتحاد “السلبية” من قضايا العمال، ومثال عليها موقفه في إضراب عمال ميناء العقبة العام 2008.

ففي تموز من ذلك العام أضرب ما يقارب 2400 عامل احتجاجا على عدة أمور، من بينها ترحيلهم عن مساكنهم التابعة لمؤسسة الموانئ بعد بيع ميناء العقبة، واستثناؤهم من تعويضات سكن قامت المؤسسة بدفعها لعدد من كبار موظفيها.

موقف الاتحاد كما يقول الناطق الإعلامي للعمال المضربين آنذاك عبد الهادي الراجح، كان “سلبيّاً“.

اتحاد العمال لم يكتفِ، كما يقول الراجح، بالصمت طوال أيام الاعتصام، وبدخوله متأخراً على الخط، بل حاول عقد اتفاقية باسم العمال انحاز فيها إلى صاحب العمل وهو مؤسسة الموانئ.

إضافة إلى محاولته شق صف العمال عندما اختار من اللجنة الممثلة لهم والمكونة من 17 عاملا، ستة عمال أبرموا اتفاقية لم تحظ بالقبول التام من باقي الأعضاء، ولكن الجميع اضطر للرضوخ منعا لشق الصف.

مثال آخر على “ضعف” الاتحاد بحسب ناشطين هو موقفه “السلبي” من استثناء عمال الغزل والنسيج من قرار تحديد الحد الأدنى للأجر بـ150 دينار.

المعايطة يؤكد أن الاتحاد ضد القرار.

ولكن العمراني يؤكد أن الاتحاد كان عضوا في اللجنة التي استثنت هؤلاء العمال، ويقول إن “الاتحاد لم يسجل موقفاً ولم يعترض، بل كان شريكاً مع الحكومة وأصحاب العمل في المؤامرة

 

الحكومة تقيّد العمال وتطلق الحرية لأصحاب الأعمال

طوال السنوات الماضية، عملت التشريعات كما يقول ناشطون على إحكام سيطرة الحكومة ممثلة بوزارة العمل على النقابات العمالية، فوفق القانون لا يجوز إنشاء نقابة جديدة لمهنة لها نقابة قائمة بالفعل.

وإذا عرفنا أن وزير العمل امتلك طوال السنوات الماضية صلاحية “التصنيف المهني“، أي أنه امتلك سلطة تحديد إن كان المتقدمون بطلب تأسيس نقابة جديدة ينتمون إلى مهنة لها نقابة قائمة أم أن عليهم الانتساب إلى واحدة من النقابات الموجودة، فإننا نفهم لماذا لم يشهد الأردن تأسيس أي نقابة عمالية جديدة منذ العام 1976.

المفارقة هي أن التقييد على إنشاء نقابات جديدة ممثلة للعمال، قابله تساهل في تأسيس نقابات وجمعيات ممثلة لأصحاب الأعمال.

فهناك كما تقدم خمسون نقابة وجمعية لأصحاب الأعمال، تأسس 39 منها بعد العام 1976

إن تفسير ما سبق يؤكد، كما يقول الناشط العمالي، ورئيس لجنة عمال المياومة، محمد السنيد، ما هو أكثر من “تحالف” يجمع الحكومة مع أصحاب الأعمال، إنه يؤكد أن الحكومة ومنذ سنوات عدة، تشكّل من رجال أعمال، أي من أصحاب الأعمال أنفسهم.

ومع ذلك فإن الحكومة تقول إن العمال مع التعديلات الجديدة على قانون العمل، صاروا شركاء في صنع القرار، من خلال توسيع مساحة تمثيلهم، فقد تم كما يقول السعودي تأسيس لجنة ثلاثية تضم وبالتساوي ممثلين عن الحكومة وأصحاب العمل والعمال، وأسندت إليها العديد من الصلاحيات من بينها صلاحية تحديد الأجور، وصلاحية التصنيف المهني “العمال طرف في اللجنة الثلاثية وصوتهم بالتالي مسموع وأي قضية تطرح فإنها تطرح بشكل جماعي وتوافقي بما يحقق مصلحة العامل وصاحب العمل“.

حقيقة أن العمال، ممثلين باتحادهم العام صاروا طرفاً في اللجنة التي تناقش القضايا بشكل جماعي وتصدر قراراتها بشكل توافقي يراعي مصلحة العامل كما يراعي مصلحة صاحب العامل، يعني كما يقول السعودي أن صوتهم أصبح مسموعاً.

لكن اللجنة التي يرأسها وزير العمل، وتضم أمين عام وزارة العمل، ورئيس غرفة الصناعة بالتناوب مع رئيس غرفة التجارة، إضافة إلى رئيس اتحاد العمال، لا يبدو في ظل ما يصر ناشطون على أنه سيطرة حكومية على الاتحاد العام للنقابات العمالية، لا يبدو أنها تثير التفاؤل.

وفق الحياري فإن اللجنة من ناحية المبدأ هي “خطوة في الاتجاه الصحيح” لكن المشكلة في الأردن هي أن قيادات الحركة العمالية ليست ممثلة حقيقية للعمال، وبالتالي فإن اللجنة هي عمليا ممثلة لطرف واحد هو أصحاب العمل الذين شكلوا مع الحكومة جبهة واحدة في مواجهة العمال.

بالتالي، ليس من المؤمل أن يؤدي سحب الصلاحيات من وزير العمل وتحويلها إلى لجنة يشترك العمال في اتخذا قرارها، ليس من المؤمل أن يؤدي إلى تحسين ظروف العمال، أو يقود إلى إنشاء نقابات جديدة.

بالعكس، فقد قام الاتحاد العام 2008، بإلغاء كافة فروع النقابات وهو أمر فسر بكونه يستهدف تقييد النقابات الناشطة، فوحدها النقابات النشيطة تمتلك فروعاً.

هذا الإجراء مع إجراء آخر كان الاتحاد قد ألزم بموجبه النقابات العمالي بتطبيق نظام داخلي موحد، بعد أن كانت كل نقابة تضع نظامها الخاص وفقا لخصوصية أوضاعها، إضافة إلى التقييد الحكومي على تأسيس نقابات جديدة، هي كلها أمور تتعارض مع الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها الاتفاقية رقم 87 التي تضمن حرية التنظيم النقابي، ويقول السنيد إن الأردن ما زال يرفض التوقيع عليها.

التنكيل بالناشطين النقابيين ومحاولات لكسر القيود

بعد سنة ونصف من مشاركته في إضراب عمال ميناء العقبة، ما زال عاهد علاونة يسير بمساعدة عكاز.

لقد كان واحدا من الذي تعرضوا للضرب المبرح من قبل القوات الأمنية التي قامت آنذاك بفض الاعتصام ، ما أدى إلى إصابته بكسر في الجمجمة، نزيف في الدماغ، تهتك في الأعصاب، وهو الآن فاقد لحاستي الذوق والشم.

ظل العلاونة ما يقارب السنة طريح الفراش، ومنعت عنه رواتبه لأن المؤسسة رفضت وقتها اعتبار إصاباته “إصابة عمل” وبعد ما يقارب السنة، وبعد ضغوط إعلامية، استجابت مؤسسة الموانئ، ومنحته 65 في المئة من رواتبه، واضطر مع سوء وضعه الصحي إلى العودة إلى عمله كمدخل للبيانات كي يستطيع صرفها.

إن العلاونة هو مثال واحد فقط على العمال الذين يتعرضون للتنكيل عقابا لهم على حراكهم.

هناك أيضاً عبد الهادي الراجح الذي كان ناطقاً إعلامياً للجنة عمال العقبة أثناء إضرابهم، والذي نقل بعد انتهاء الإضرابات مباشرة من مؤسسة الموانئ في العقبة إلى مؤسسة التدريب المهني في معان .

ويقول إنه“بعد 23 سنة في العمل في تخليص البضائع، نقلوني إلى التدريب المهني الذي لا أفقه فيه شيئا، ولم تستجب أي جهة للكتب التي بعثتها أعترض على نقلي، ولم أقم فعليا طوال السنة ونصف الماضية بأي عمل“

الراجح اضطر إلى تقديم استقالته من التدريب المهني، بعد أن تقرر أن يتم تثبيته رسميا على كادر مؤسسة التدريب المهني، وهو أمر يعني أنه سيفقد جميع العلاوات التي كان يحصل عليها في مؤسسة الموانئ، ليهبط راتبه بذلك من 560 دينارا إلى 250″.

أما السنيد، فقد فُصل في آذار 2010، من عمله كسائق في وزارة الزراعة، وكان السبب هو نشاطه النقابي.

فقد أسس في أيار 2006 اللجنة التي مثّلت الآلاف من عمال المياومة الحكوميين في الأردن، ونفّذت خلال أربع سنوات أكثر من أربعين إضراباً عن العمل، وتمكنت رغم عدم قانونيتها من انتزاع الاعتراف الحكومي “الضمني” بها، عندما دخل ممثلوها في مفاوضات مع وزير الزراعة أسفرت عن إعادة مئات المفصولين من عمال المياومة إلى وزارة الزراعة، بعد قرار فصلهم الشهير مطلع العام 2010.

لجنة عمال المياومة هي واحدة من محاولات عدة، يقوم بها ناشون نقابيون لكسر القيود المفروضة على التنظيم النقابي، ومنها التجمع النقابي المهني العمالي الذي تأسس العام 2008 إثر قيام الاتحاد العام للعمال بحلّ فروع النقابات العمالية، ولجان المعلمين المطالبة بتأسيس نقابة لهم، ولجنة عمال ميناء العقبة التي قادت إضرابهم العام 2008.

السنيد وبعد فصله بشهرين، أعلن عن توجه نحو تأسيس اتحاد وطني عام للعمال، يكون بديلا عن الاتحاد القائم، وممثلاً حقيقيا لهم.

بعد ما يقارب السنة على هذا الإعلان، يقول السنيد إن إجراءات تأسيس هذا الاتحاد تسير قدماً، مؤكداً أن المؤسسين لن يسعوا إلى طلب ترخيص له.

وبذلك فإن القيود على حرية العمل النقابي، التي يشدد مراقبون على أنها أدّت، وبمؤازرة حكومية، إلى “تغوّل” أصحاب الأعمال، وجدت أخيراً من يبدأ بتكسيرها

للاستماع للتحقيق والاطلاع على: وثائقيات حقوق الإنسان

التعليقات

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

الإسم:

البريد الإلكتروني:

العنوان :
التعليق :